كشفت مصادر دبلوماسية أميركية مطلعة أن الساعات والأيام التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 فتحت داخل المؤسسات الأميركية نقاشًا حادًا بشأن المعلومات الاستخباراتية التي سبقت الهجوم، ومدى ما قدمته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "CIA" إلى الجانب الإسرائيلي من تحذيرات بشأن تحركات حركة حماس.
وقالت المصادر إن الجدل الذي أعقب الهجوم وضع الـ"CIA" أمام تساؤلات داخل بعض المؤسسات الأميركية والكونغرس بشأن احتمال وجود تقصير في تزويد الحكومة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية، وفي مقدمتها الموساد، بمعلومات عن استعدادات حماس لتنفيذ عملية واسعة عبر الحدود.
لكن المصادر أشارت إلى أن وثائق وتقارير محفوظة ضمن أرشيف الإدارة الأميركية السابقة، تعزز رواية مغايرة، مفادها أن الاستخبارات الأميركية كانت قد نقلت إلى الحكومة الإسرائيلية تحذيرات تتعلق باحتمال تنفيذ هجوم واسع.
وبحسب المصادر، فإن تقارير رُفعت آنذاك إلى إدارة الرئيس السابق جو بايدن تضمنت إشارات إلى أن نتنياهو تلقى معلومات عن تهديد محتمل، وأن الجانب الإسرائيلي أفاد بامتلاكه بدوره معلومات من أكثر من قناة، من بينها مصادر مرتبطة بحماس، بشأن استعدادات لعملية هجومية.
وقال دبلوماسي أميركي مقرب من دوائر الأمن القومي في البيت الأبيض إن مسؤولين في الاستخبارات الأميركية أجروا، مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2023، اتصالات مع مسؤولين إسرائيليين، بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع آنذاك يوآف غالانت، بشأن مؤشرات على احتمال تنفيذ حماس وكتائب القسام عملية واسعة لاختراق الحدود ومحاولة أسر إسرائيليين.
وأضاف أن معلومات جرى تداولها بين الـ"CIA" والموساد في الفترة التي سبقت الهجوم، وتضمنت إفادات بشأن تدريبات ومحاكاة أجرتها حماس على عمليات اقتحام للحدود.
ووفق الدبلوماسي، نقلت الاستخبارات الأميركية في أواخر سبتمبر/أيلول 2023 تقديرات تتعلق باحتمال تحرك خلال النصف الأول من أكتوبر، وجرى عرض جانب من تلك المعطيات على مسؤولين إسرائيليين.
وقال المصدر إن بعض الإفادات تضمنت إشارات إلى تكتيكات محتملة للهجوم، من بينها تعطيل منظومات المراقبة، واستخدام جرافات لفتح ثغرات في السياج الحدودي، واستهداف نقاط محددة على امتداد المنطقة المحيطة بقطاع غزة.
معلومات من برلين
وأضاف الدبلوماسي الأميركي أن تل أبيب تلقت كذلك، وفق المعلومات المتداولة آنذاك، تحذيرات من جهات في برلين بشأن استعدادات محتملة لعملية عبر الحدود، إلى جانب معلومات عن اتصالات ولقاءات بين مسؤولين في الحرس الثوري الإيراني وشخصيات مرتبطة بحماس في لبنان.
وأشار إلى أن بعض المعلومات تحدثت عن سيناريو يشمل تحركًا متزامنًا من الجبهة اللبنانية بالتزامن مع هجوم حماس، لكن العمليات التي نفذها حزب الله في السابع من أكتوبر تركزت حينها بصورة محدودة في منطقة مزارع شبعا، ولم تتسع وفق السيناريو الذي تحدثت عنه تلك التقديرات.
جدل المسؤولية
ولا تزال أحداث السابع من أكتوبر تثير سجالًا واسعًا في إسرائيل والولايات المتحدة بشأن حجم المعلومات التي كانت متاحة قبل الهجوم، وكيفية تعامل المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية معها.
وقد أظهرت التحقيقات الإسرائيلية التي أعقبت الهجوم وجود فجوة بين تقدير مستوى التهديد والاستعداد العملياتي لمواجهته، وسط انتقادات تتعلق بعدم تجميع المؤشرات المتفرقة في صورة استخباراتية واحدة تسمح برفع مستوى الإنذار والاستعداد.
ويرى مراقبون أن مسؤولية الإخفاق لا يمكن اختزالها في مؤسسة واحدة، إذ تتداخل فيها عمليات جمع المعلومات وتحليلها، ومستوى نقل التحذيرات، والقرارات السياسية والعسكرية التي اتخذت بناء عليها.
ويؤكد هؤلاء أن الإشكالية الأساسية لا تتعلق فقط بامتلاك المعلومات، وإنما بمدى القدرة على تحويلها في الوقت المناسب إلى إجراءات ميدانية تقلص حجم الخطر.
وفي المقابل، تبقى الاتهامات التي تربط تعامل نتنياهو مع التحذيرات بحساباته السياسية الداخلية موضع خلاف، ولا سيما مع عدم صدور نتائج نهائية تحسم بصورة قاطعة ما إذا كانت القيادة السياسية الإسرائيلية قد امتلكت إنذارًا محددًا ومباشرًا بشأن توقيت الهجوم وحجمه.
المعلومات كانت موجودة
وترى الباحثة في الشؤون الإقليمية الدكتورة تمارا حداد أن ما ظهر حتى الآن من تحقيقات وتقارير إسرائيلية يشير إلى أن التحذيرات لم تكن غائبة بالكامل قبل هجوم السابع من أكتوبر، لكن المشكلة تمثلت في طريقة قراءتها وتحويلها إلى قرارات عملياتية.
وقالت حداد إن صورة الإخفاق داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تشير إلى وجود معلومات ومؤشرات نوعية سبقت الهجوم، من دون أن تقود إلى رفع مستوى التأهب بالقدر المطلوب.
وأضافت أن نتنياهو تلقى، إلى جانب معلومات أخرى، تحذيرات من مسؤولين أمنيين بشأن تصاعد الأخطار وضرورة تعزيز الإجراءات على الحدود.
وبرأي حداد، كان يمكن لاتخاذ إجراءات احترازية أوسع، مثل تعزيز القوات المحيطة بغزة، ورفع مستوى المراقبة الجوية والاستخباراتية، وتشديد حماية المواقع الحساسة، أن يغير على الأقل من طبيعة الساعات الأولى للهجوم ويحد من حجم الاختراق.
وأشارت إلى أن وجود إنذار مبكر لا يعني بالضرورة القدرة على منع عملية بهذا الحجم والتعقيد بالكامل، لكنه كان يمكن أن يقلل عنصر المفاجأة ويوفر للقوات الإسرائيلية جاهزية أكبر.
وخلصت إلى أن السؤال الذي سيظل حاضرًا في التحقيقات المتعلقة بالسابع من أكتوبر لا يتمثل فقط في معرفة من امتلك المعلومة، بل في معرفة لماذا لم تتحول المؤشرات والتحذيرات المتراكمة إلى قرار أمني وعسكري يوازي مستوى الخطر.